محمد بن جرير الطبري

257

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

التي يعطاها مسرور بها ( 1 ) = ( فخور ) ، يقول : ذو فخر بما نال من السعة في الدنيا ، وما بسط له فيها من العيش ، ( 2 ) وينسى صُرُوفها ، ونكدَ العَوَائص فيها ، ( 3 ) ويدع طلب النعيم الذي يبقى ، والسرور الذي يدوم فلا يزول . 18005 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قوله : ( ذهب السيئات عني ) ، غِرَّةً بالله وجراءة عليه = ( إنه لفرح ) ، والله لا يحب الفرحين = ( فخور ) ، بعد ما أعطي ، وهو لا يشكر الله . * * * ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين : " الذين صبروا وعملوا الصالحات " . وإنما جاز استثناؤهم منه لأن " الإنسان " بمعنى الجنس ومعنى الجمع . وهو كقوله : ( وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) ، [ سورة العصر : 1 - 3 ] ، ( 4 ) فقال تعالى ذكره : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) ، فإنهم إن تأتهم شدّة من الدنيا وعسرة فيها ، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله ، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه . فإن نالوا فيها رخاء وسعةً ، شكروه وأدَّوا حقوقه بما آتاهم منها . يقول الله : ( أولئك لهم مغفرة ) يغفرها لهم ، ولا يفضحهم بها في معادهم = ( وأجر كبير ) ، يقول : ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم ، ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا ، جزيلٌ ، وجزاءٌ عظيم . 18006 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : ( إلا الذين صبروا ) ، عند البلاء ، ( وعملوا الصالحات ) ، عند النعمة

--> ( 1 ) انظر تفسير " فرح " فيما سلف 14 : 289 . ( 2 ) انظر تفسير " فخور " فيما سلف 8 : 350 . ( 3 ) في المطبوعة : " نكد العوارض " ، غير ما في المخطوطة ، و " العوائص " جمع " عائص " أو " عائصة " ، ومثله " العوصاء " ، وكله معناه : الشدة والعسر والحاجة . ( 4 ) انظر معاني القرآن للفراء في تفسير الآية . ومن هنا سأرجع إلى النسخة المخطوطة من معاني القرآن ، لأن بقية الكتاب لم تطبع بعد . والنسخة التي أرجع إليها هي المخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم : ب 24986 ، مصورة عن نسخة مكتبة " بغداد لي وهبي " بالمكتبة السليمانية ، بالآستانة .